النويري
44
نهاية الأرب في فنون الأدب
في أجل قد غيّب عنكم علمه ، فإن استطعتم ألَّا يمضى هذا الأجل إلَّا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ، ولن تستيطعوا ذلك إلَّا باللَّه . فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال ، فإنّ قوما نسوا آجالهم ، وجعلوا أعمالهم لغيرهم ، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم . الجدّ الجدّ ، والوحي الوحي [ 1 ] ، والنّجاة النّجاة ، وإنّ وراءكم طالبا حثيثا ، أجلا مرّه سريع . واحذروا الموت ، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبط به الأموات . وقام أيضا رضى اللَّه عنه ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ اللَّه لا يقبل من الأعمال إلَّا ما أريد به وجهه ، فأريدوا اللَّه بأعمالكم ، واعلموا أنّ ما أخلصتم للَّه من أعمالكم ، فطاعة أتيتموها ، وحظَّ ظفرتم به ، وضرائب أدّيتموها ، وسلف قدّمتموه من أيام فانية لأخرى باقية ، لحين فقركم وحاجتكم ، واعتبروا يا عباد اللَّه بمن مات منكم ، وفكَّروا فيمن كان قبلكم . أين كانوا أمس وأين هم اليوم ! أين الجبّارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة ومواطن الحروب ؟ قد تضعضع بهم الدّهر وصاروا رميما ، قد تركت عليهم القالات [ 2 ] ؛ الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات .
--> [ 1 ] الوحي : الإسراع . [ 2 ] ص : « المقالات » .